القرطبي

217

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

الثانية - من الناس من كان لا يضحك اهتماما بنفسه وفساد حاله في اعتقاده من شدة الخوف ، وإن كان عبدا صالحا . قال صلى الله عليه وسلم : ( والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا ولخرجتم إلى الصعدات ( 1 ) تجأرون إلى الله تعالى لوددت ( 2 ) أني كنت شجرة تعضد ) خرجه الترمذي . وكان الحسن البصري رضي الله عنه ممن قد غلب عليه الحزن فكان لا يضحك . وكان ابن سيرين يضحك ويحتج على الحسن ويقول : الله أضحك وأبكى . وكان الصحابة يضحكون ، إلا أن الاكثار منه وملازمته حتى يغلب على صاحبه مذموم منهي عنه ، وهو من فعل السفهاء والبطالة . وفي الخبر : ( أن كثرته تميت القلب ) وأما البكاء من خوف الله و [ عذابه وشدة ] ( 3 ) عقابه فمحمود ، قال عليه السلام : ( ابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا فإن أهل النار يبكون حتى تسيل دموعهم في وجوههم كأنها جداول حتى تنقطع الدموع فتسيل الدماء فتقرح العيون فلو أن سفنا أجريت فيها لجرت ) خرجه ابن المبارك من حديث أنس وابن ماجة أيضا . قوله تعالى : فإن رجعك الله إلى طائفة منهم فاستئذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا إنكم رضيتم بالقعود أول مرة فاقعدوا مع الخالفين ( 83 ) قوله تعالى : ( فإن رجعك الله إلى طائفة منهم ) أي المنافقين . وإنما قال : " إلى طائفة " لان جميع من أقام بالمدينة ما كانوا منافقين بل كان فيهم معذورون ومن لا عذر له ، ثم عفا عنهم وتاب عليهم ، كالثلاثة الذين خلفوا . وسيأتي . ( فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي أبدا ) أي عاقبهم بألا تصحبهم أبدا . وهو كما قال في " سورة الفتح " : " قل لن تتبعونا " ( 4 ) [ الفتح : 15 ] . و " الخالفين " جمع خالف ، كأنهم خلفوا الخارجين . قال ابن عباس :

--> ( 1 ) الصعدات : هي الطرق وهي جمع صعد وصعد جمع صعيد كطريق وطرق وطرقات . وقيل : هي لجمع صعدة كظلمة وهي فناء باب الدار وممر الناس بين يديه . ( 2 ) قال الترمذي : ويروي من غير هذا الوجه أن أبا ذر قال : لوددت أني كنت شجرة تعضد . ( 3 ) من ج وع وك وه‍ . ( 4 ) راجع ج 16 ص 270 فما بعد .